سُئلت كثيراً عن سبب إنشائي لمدونة، وعن جدوى الكتابة في زمن يقرأ فيه الناس أقلّ.
والحقيقة أنّي لم أبدأ الكتابة لأنّني خبير في شيء. بدأتها لأنّني أردت أن أفهم. الكتابة، عندي، ليست إعلاناً عمّا أعرف. هي الطريقة التي أعرف بها.
هذا التمييز غيّر علاقتي بالكتابة كلّها. ومن يفهمه، تتغيّر علاقته بالكتابة، وربّما بالتعلّم نفسه.
الفرق بين الكتابة لتُظهر والكتابة لتفهم
أكثر الناس يكتبون ليُظهروا ما يعرفون. يجمعون أفكارهم الجاهزة، يرتّبونها، ينشرونها. الكتابة عندهم مرحلة أخيرة، تأتي بعد أن يكتمل الفهم.
أنا أكتب لأفهم. أجلس إلى فكرة غامضة، وأكتب حتّى تتّضح. الكتابة عندي ليست نتيجة الفهم، بل أداته.
والفرق جوهريّ. حين تكتب لتُظهر، تتوقّف عند ما تعرف. حين تكتب لتفهم، تكتشف أنّك كنت تظنّ أنّك تعرف، ثمّ تنهار الفكرة بين يديك حين تحاول صياغتها. الورقة البيضاء أصدق ممتحن: لا تجامل، ولا تقبل الغموض الذي نخفيه عن أنفسنا.
كم مرّة ظننت أنّ لديّ فكرة واضحة، حتّى حاولت كتابتها فاكتشفت أنّها ضباب؟ هذا ليس فشلاً في الكتابة. هذا هو عمل الكتابة.
لماذا الكتابة تحديداً؟
لأنّها تجبر العقل على الترتيب.
العقل في رأسك متساهل. يقفز بين الأفكار، يملأ الفجوات، يقنعك أنّك فهمت. لكنّ اللغة المكتوبة لا تسمح بهذا. الجملة تطالبك بأن تكمل فكرتك، والفقرة تطالبك بأن تربط. ما لا يصمد على الورق لم يكن فكرة، كان إحساساً بفكرة.
في الهندسة، تعلّمت أنّك لا تفهم نظاماً حتّى ترسمه. الرسم يكشف ما يخفيه الكلام: الوصلة الناقصة، الافتراض غير المعلن، الحلقة المفقودة. الكتابة هي رسم الأفكار. تكشف فيها ما لا يُكشف في التفكير الصامت.
ثمّ إنّ الكتابة تترك أثراً. الفكرة التي تمرّ في عقلك تختفي. الفكرة التي تكتبها تبقى، تعود إليها بعد سنة فترى كيف تغيّرت، أو كيف لم تتغيّر. الكتابة ذاكرة خارجيّة لرحلتك الفكريّة.
كيف أجعل الكتابة عادة لا حدثاً؟
ثلاث ممارسات حوّلت الكتابة عندي من إلهام متقطّع إلى نظام مستمرّ.
الأولى: أكتب لأفكّر، لا لأنشر. أغلب ما أكتبه لا يُنشر. أكتب لأفهم أوّلاً، وما يستحقّ منه المشاركة أنشره. حين فصلت الكتابة عن النشر، تحرّرت من ضغط أن يكون كلّ ما أكتبه جاهزاً للعرض. صار الخطأ مسموحاً، والتجريب ممكناً.
الثانية: أبدأ من السؤال، لا من الجواب. لا أنتظر أن تكتمل الفكرة لأكتبها. أبدأ بسؤال يشغلني، وأكتب لأكتشف جوابي. الكتابة عندي استكشاف، لا إعلان.
الثالثة: أبني بنية لا أنتظر مزاجاً. لا أكتب حين أشعر بالإلهام، لأنّ الإلهام لا يُؤتمن. أكتب في وقت ثابت، بإيقاع لا يعتمد على الحماس. والمفارقة أنّ الإلهام يأتي غالباً أثناء الكتابة، لا قبلها.
في الختام
لا أكتب لأنّني وصلت، بل لأنّني ما زلت في الطريق.
الكتابة ليست شهادة على اكتمال الفهم. هي الأداة التي أفهم بها، أرتّب بها فوضى رأسي، وأترك بها أثراً يبقى بعد أن تمرّ اللحظة. ومن يكتب ليفهم، لا ليُظهر، يكتشف أنّ الكتابة أصدق معلّم: تكشف ما لا نعرفه عن أنفسنا، وتطالبنا بأن نكون أوضح ممّا اعتدنا.
إن كنت تنتظر أن تصبح خبيراً لتكتب، فقد عكست الترتيب. اكتب لتفهم، فالفهم يأتي من الكتابة، لا قبلها.
من النيّة إلى الأثر، الكتابة هي الجسر: تحوّل الفكرة الغامضة إلى وضوح، والوضوح إلى أثر يبقى.
أسئلة متكرّرة
لماذا أكتب إن لم أكن خبيراً في موضوعي؟
لأنّ الكتابة ليست إعلاناً عن خبرة، بل أداة لبنائها. حين تكتب لتفهم لا لتُظهر، تكتشف أنّ الكتابة نفسها هي ما يعمّق فهمك. انتظار الخبرة قبل الكتابة يعكس الترتيب، فالفهم يأتي من الكتابة.
ما الفرق بين الكتابة لتُظهر والكتابة لتفهم؟
الكتابة لتُظهر تأتي بعد اكتمال الفهم، وتتوقّف عند ما تعرف. الكتابة لتفهم تبدأ من الغموض، وتكشف الفجوات في تفكيرك حين تحاول صياغته. الأولى نتيجة، والثانية أداة.
كيف أجعل الكتابة عادة مستمرّة؟
افصل الكتابة عن النشر، فأغلب ما تكتبه لا يجب أن يُنشر. ابدأ من سؤال يشغلك لا من جواب جاهز. وابنِ وقتاً ثابتاً للكتابة بدل انتظار الإلهام، فالإلهام يأتي أثناء الكتابة لا قبلها.



