حين تنظر مليّاً في معظم حياة البالغين، ترى نمطاً صامتاً يتكرر. الأعمال، والاختيارات، والطموحات، والمخاوف — ليست عشوائية. إنها حوار مستمر مع الطفولة.
ومع الوقت، تكوّنت عندي قناعة: أنّ الإنسان يقضي معظم عمره يفعل ثلاثة أشياء، غالباً دون أن يدري:
- يُصلح جروح طفولته.
- يُعوّض ما حُرم منه فيها.
- يحقق الأحلام التي تركتها ناقصة — أو يُسلّمها بهدوء لأبنائه.
قال جاك بريل (Jacques Brel) شيئاً قريباً من هذا بأسلوبه: إنّ الإنسان يتشكّل في عمق نفسه باكراً، نحو السادسة عشرة أو السابعة عشرة. في ذلك العمر يكون مذاق رغباته العميقة قد استقرّ فيه — رغبته في التألق، أو المغامرة، أو الأمان. وما تبقى من العمر، في رأيه، ليس في الغالب إلا محاولة شغوفة، تُلامس أحياناً حدّ الهوس، لتحقيق تلك الرغبات الأولى أو ملء الفراغ الذي تركته نواقص الطفولة.
ليس عليك أن تتفق مع بريل تماماً لتُدرك صدق ملاحظته. نادراً ما نخترع أنفسنا من العدم. نحن نُكمل شيئاً بدأ قبل أن نملك أن نُسمّيه.
١. نُمضي السنوات نُصلح ما جُرحنا به مبكراً
جروح الطفولة قلّما تكون صاخبة. أكثرها ليس أحداثاً. إنها أجواء — ما غاب، وما اضطرب، وما لم يكن آمناً، وما لم يُقَل.
الطفل الذي لم يشعر بأنه مرئيّ يصبح أحياناً بالغاً يبني المنصات والإنجازات والجماهير. ليس من غرور، بل لأنّ “أن يُرى” أصبح أخيراً ممكناً. والطفل الذي لم يشعر بالأمان يصبح أحياناً بالغاً يبني الأنظمة والبنى والقابلية للتنبؤ — أيّ شيء يَعِد بأنّ الأرض ستثبت هذه المرة. والطفل الذي لم يُمدح إلا على نتائجه يصبح أحياناً بالغاً عاجزاً عن الراحة، لأنّ الراحة عنده تساوي الاختفاء.
نُسمّي هذه الأشياء طموحاً، وعزيمةً، وانضباطاً، وكمالية. أحياناً تكون كذلك. وأحياناً تكون مجرّد ترميم.
٢. نُمضي السنوات نُعوّض ما لم نحصل عليه
الإصلاح والتعويض يتداخلان، لكنهما ليسا شيئاً واحداً.
الإصلاح يُداوي ما جَرح. التعويض يستبدل ما غاب.
الطفل الذي نشأ بلا مال يقضي أحياناً عمره يبني ثروةً لا يكفي عندها رقم. والطفل الذي نشأ بلا اهتمام يبني أحياناً حياةً عامةً شاسعةً، حتى تصبح العزلة لا تُحتمل. والطفل الذي نشأ بلا إذن للعب يُفرط في الحرية، فلا يستقرّ في مكان. والطفل الذي نشأ في فوضى يبني أحياناً حياةً مُحكَمةً إلى درجة لا يُسمح فيها لشيء حيّ بأن يدخل.
لا عيب في أن تشتهي أكثر مما حصلت. الخطر حين تكون الرغبة غير مرئيّة — حين تظنّ أنك تختار، وأنت في الحقيقة تتفاعل. التعويض غير المفحوص لا يحرّرك. بل يجعلك متوقَّعاً أمام ماضيك.
٣. نُلاحق الحلم الناقص — أو نُسلّمه بهدوء لأبنائنا
ثمّ هناك حركة ثالثة، غالباً ما تظهر متأخرة.
الأحلام التي لم تُعَش لا تختفي. تنتظر. أحياناً يبلغ المرء الأربعين أو الخمسين، فيعود أخيراً إلى الموسيقى التي تركها، أو الكتابة التي أجّلها، أو اللغة، أو البلد، أو النداء الذي وضعه جانباً وهو في العشرين. حدسُ بريل هنا يَصدُق: المذاق الأول كان موجوداً، ينتظر إذناً بالحياة.
وحين لا تحدث تلك العودة، يُسلَّم الحلم في الغالب. ندفع أبناءنا نحو ما لم يُتَح لنا أن نكونه. نُسمّي ذلك طموحاً لهم. أحياناً يكون كذلك. وكثيراً ما يكون عملاً غير مكتمل. تنتقل العصا، لكنّ المتسابق لم يختر السباق.
ما الذي يطلبه منا هذا
تسمية هذا النمط ليست اتهاماً. إنها دعوة.
لا يمكنك أن تعيش دون أن تُشكّلك الطفولة. لكن يمكنك أن تنتقل من أن تكون مَدفوعاً بها إلى أن تكون مُستَنيراً بها. الفرق لغوياً صغير، وعملياً هائل.
العمل، في تجربتي الشخصية ومن خلال من رافقتهم، يشبه هذا:
- أن تراه بوضوح. لا كتشخيص، بل كوصف. أيّ من طموحاتك اليوم إصلاح، وأيّها تعويض، وأيّها امتداد؟
- أن تُكرم ما هو صادق فيه. الحنين كان حقيقياً. والاستراتيجية كانت الوحيدة المتاحة للطفل الذي كنته.
- ثم تختار. بعض المساعي ستحتفظ بها بعد الفحص. وبعضها، بعد الفحص، ستتركه. وقلّةٌ منها، أخيراً، ستسمح لنفسك بأن تعيشها.
من النيّة إلى الأثر يبدأ من هنا، من هذا النوع من الصدق. قبل أن نقوم بعمل يُغيّر شيئاً خارجنا، علينا أن نعرف ما الذي يحرّكنا في الداخل. وإلا، فحتى أثرنا قد يصبح امتداداً لحوار قديم لم نُوافق يوماً على خوضه.



