أكثر من يريدون التغيير يبدؤون من المكان نفسه. يختارون عادة جديدة. الاستيقاظ أبكر، الكتابة كل يوم، الرياضة ثلاث مرات في الأسبوع. تصمد العادة حيناً، ثم تذوب في صمت، فيخلصون إلى أنهم يفتقرون إلى الانضباط.
المشكلة نادراً ما تكون الانضباط. المشكلة أنهم بنوا العادة على لا شيء. عادة لا تتعلق بأحد بعينه لا تخصّ أحداً بعينه. وهي أول ما يُترك حين يثقل الأسبوع.
ثمة ترتيب تقلبه أكثر النصائح. الهوية تسبق العادة. السؤال ليس ماذا أريد أن أفعل. بل من أصير، وماذا يفعل ذلك الإنسان بطبعه.
ما لا تستطيع العادة أن تجيب عنه
العادة تجيب عن سؤال صغير: ماذا أفعل تالياً؟ وهذا نافع، لكنه سطحي. لا يخبرك لِمَ هذا الفعل دون غيره، ولا ماذا تفعل حين يكفّ الفعل عن أن يكون مريحاً.
أما الهوية فتجيب عن السؤال الأعمق: أيّ إنسان هذا، وماذا يفعل دون أن يحتاج إلى إقناع؟ حين تكتب لأنك كاتب، لا تساوم نفسك كل صباح. الفعل محسوم سلفاً بمن أنت.
لماذا تقوم المنظومة على الهوية
في الإطار الذي أكتب منه، المنظومة هي القلب الذي يربط عملك بمن أنت، وبمن تخدم، وبالطاقة التي تقدر على الحفاظ عليها. وأولى هذه الصلات، الهوية، ليست زينة. إنها الأساس الذي تقوم عليه بقية الصلات.
المنظومة الموصولة بالمهام وحدها هشّة. تفوّت أياماً قليلة فتبدو البنية كلها بلا معنى، لأن لا شيء تحتها يفسّر لِمَ ينبغي أن تستمر. أما المنظومة الموصولة بالهوية فتنجو من الفجوات. اليوم المفوّت ليس فشلاً للمنظومة. إنه فقط يوم لم يفعل فيه الإنسان، والإنسان لا يزال هنا غداً.
حين انتقلت من الهندسة والعمل المؤسسي نحو الأثر، لم يكن التغيير الذي دام روتيناً جديداً. جرّبت روتينات عدة وتلاشى أكثرها. ما ثبت كان تحوّلاً بطيئاً في نظرتي إلى نفسي: من شخص ينفّذ ما يُسنَد إليه إلى شخص يبني ما له معنى. وحين استقرّت تلك الهوية، صارت العادات التي عجزت عن فرضها ذات معنى فجأة، لأنها صارت تخصّ من صرته.
كيف تبني حول الهوية
سمّ الهوية قبل الفعل. لا أريد أن أكتب أكثر، بل أنا أصير من يملك صفاءً في الفكر يكفي للكتابة. الفعل يتبع الهوية بدل أن يقف وحده.
اختر أفعالاً تصوّت لتلك الهوية، مهما صغرت. كل وعد تفي به دليل. أنت لا تنجز مهمة فحسب. أنت تراكم البرهان، لنفسك، على من تصير.
وحين تفوّت، عُد دون حُكم. من يفوّت يوماً يظل هو هو. تصمد المنظومة لأنها لم تُبن قط على سلسلة كاملة. بُنيت على هوية، والهوية لا تنكسر بيوم صامت واحد.
فقبل أن تصمّم عادة أخرى، اسأل السؤال الأسبق. من تصير، وهل بُنيت منظومتك لتجعل ذلك الإنسان حتمياً؟