نبذل جهداً هائلاً في تحسين طريقة عملنا، ولا نكاد نبذل شيئاً في تقرير ما نسمح له بالدخول. المقالات والخلاصات والأصوات والإشعارات التي تدخل انتباهنا كل يوم نعاملها كالطقس، شيء يحدث لنا فحسب. لكن المنظومة لا تساوي إلا ما يصبّ فيها، وأكثر الناس لا يفحصون قط ما يردهم.
ثمة فكرة قديمة في الحوسبة: مدخلات رديئة، مخرجات رديئة. لا عملية، مهما كانت بارعة، تنتج نتيجة حسنة من مدخلات سيّئة. والأمر نفسه يصدق على الإنسان. أطعِم عقلك سيلاً من الضجيج والغضب والآراء السطحية، فلن يحوّله أيّ انضباط لاحق إلى فكر صافٍ.
ما علّمني إياه القياس عن المدخلات
قضيت سنوات في قياس الأثر، والدرس الذي بقي معي لم يكن للحساب فيه كبير شأن. كان أن جودة أيّ تحليل تُحسم قبل أن يبدأ التحليل بزمن، لحظة تختار مصادرك. البيانات السيّئة لا تعلن عن نفسها. تأتي مشبهةً البيانات الجيدة تماماً، وتفسد في صمت كل ما يُبنى فوقها.
أكثر الناس يحرسون استنتاجاتهم ويتركون مدخلاتهم مشرَعة. والصواب العكس. حين تبلغ المدخلة السيّئة استنتاجاتك، يكون الضرر قد وقع.
اعتنِ بالمورِد لا بالمخرَج
الغريزة أن تصلح الفكر في النهاية: أن تكون أكثر شكّاً، أن تصحّح التحيّز، أن ترشّح الضجيج بعد وصوله. وهذا مُنهِك ونادراً ما ينجح، لأنك تقاوم فيضاناً دلواً دلواً.
الرافعة في الأعلى. قرّر سلفاً ما يُسمح له أن يغذّي انتباهك. أيّ مصادر قليلة كسبت ثقتك بصدقها ودقّتها واستعدادها للخطأ علناً. أيّ أصوات تجعلك تفكّر بدل أن تجعلك تتفاعل فحسب. ثم أغلق الباب أمام أكثر ما عداها، لا خوفاً، بل لأن الانتباه محدود وأنت تختار أين يذهب.
كيف تدقّق مدخلاتك
اكتب ما يدخل عقلك فعلاً في يوم عادي. لا ما تتمنى أن تقرأ، بل ما تستهلكه حقاً: الخلاصات، القنوات، الناس، عادات نصف الساعة.
ولكلّ، اسأل سؤالاً بسيطاً. أيتركني هذا أصفى أم أكثر اضطراباً؟ أأقدر على عملي أكثر، أم أكثر اطلاعاً فحسب على أشياء لن أفعل بشأنها شيئاً؟ أبقِ القليل الذي ينجح. وكن صادقاً مع البقية.
لست ملزَماً أن تستهلك كل ما يُعرض عليك. أكثر القرارات بخساً في أيّ منظومة هو ما ترفض أن تدخله.