في مركز ميلر لريادة الأعمال الاجتماعية (Miller Center)، كان جزء من العمل يتعلق ببناء إطار لقياس الأثر انطلاقا من بيانات أكثر من ألف من خريجي البرنامج من رياديي الأعمال الاجتماعيين. معظم ذلك العمل كان واسعا: مقابلات، رسم خرائط للمنظومة، محادثات مع شركاء، من النوع الذي يعكس توجها عاما نحو الاهتمام الحقيقي بمن تخدمهم. لكن في أحد الأيام، كانت المهمة أضيق. جدول بيانات محدد، بأرقام موجهة إلى تقرير سيصل إلى شريك، كان يجب مراجعته سطرا سطرا قبل إرساله. لم يكن ذلك اليوم يتطلب حكما على الرسالة العامة أو اهتماما بشبكة الخريجين ككل. كان يتطلب فقط أن يكون ذلك الجدول صحيحا تماما.
اتضح لاحقا أن هذا الفرق كان أهم مما بدا في حينه. أن تكون شخصا محسنا بشكل عام، وأن تُتقن مهمة واحدة محددة، مهارتان مختلفتان، والخلط بينهما هو غالبا المكان الذي ينزلق فيه العمل دون أن يلاحظ أحد. يمكن لشخص أن يهتم فعلا بعمله، وبالأشخاص المتأثرين به، وبفعل الأشياء بالطريقة الصحيحة، ومع ذلك يسلّم عملا غير دقيق، لأن الاهتمام ليس نفس مهارة الدقة. ويمكن لشخص آخر أن ينفذ مهمة واحدة بدقة تامة بينما يكون مهملا في كل ما حولها، بما في ذلك الأشخاص الذين كانت تلك المهمة تخدمهم أصلا.
النقاط الرئيسية
- كون المرء “محسناً” بشكل عام وإتقان مهمة واحدة محددة مهارتان مختلفتان، لا فضيلة واحدة.
- الدقة ضيقة وفورية: تنطبق على هذه الوثيقة أو هذا السطر الآن، ويمكن التحقق منها مباشرة.
- الإحسان بشكل عام واسع وبطيء: يظهر عبر أشهر ومهام كثيرة، ولا يمكن التحقق منه بمهمة واحدة.
- اطرح سؤالين منفصلين: هل هذا الشيء المحدد أمامي الآن صحيح فعلاً، وهل طريقتي في التعامل مع من حوله تعكس من أريد أن أكون.
- جدول البيانات لم يطلب أن أكون شخصاً محسناً ذلك اليوم، بل طلب فقط أن تكون الأرقام صحيحة.
لماذا يختلط الأمران
الالتباس يحدث لأن كليهما يمنحان من الداخل الإحساس نفسه بالجهد. الاهتمام بعملك والدقة في مهمة واحدة، كلاهما ينتج شعورا بمحاولة إتقان الأمر. لكن الدقة ضيقة وفورية: تنطبق على هذه الوثيقة، هذه المكالمة، هذا السطر من العمل، الآن، ويمكن التحقق منها. أما كون المرء محسنا فهو أوسع وأبطأ: يظهر عبر أشهر، عبر مهام كثيرة، ولا يمكن التحقق منه بالنظر إلى مهمة واحدة فقط.
هذا قريب مما تعنيه كلمة الإتقان تحديدا، وهي فكرة وردت في حديث معروف: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه”. الحديث يصف شيئا محددا وفوريا: إنجاز هذه المهمة الواحدة بانتباه كامل، لا سمعة عامة بكونك شخصا جيدا في عملك.
جدول البيانات في مركز ميلر لم يكن يحتاج مني أن أكون شخصا محسنا في ذلك اليوم. كان يحتاج أن تكون الأرقام صحيحة.
ما الذي يجب التحقق منه فعليا
سؤالان، يُطرحان بشكل منفصل، يلتقطان معظم ما يضيع حين يختلط الأمران.
هل هذا الشيء المحدد، أمامي الآن، صحيح فعلا؟ ليس “هل أنا دقيق بشكل عام”، بل “هل تحققت من هذا الرقم بالذات، هذه الجملة بالذات، هذه النتيجة بالذات”.
هل الطريقة التي أتعامل بها مع الأشخاص والمواقف المحيطة بهذه المهمة تعكس من أريد أن أكون؟ ليس “هل أنهيت المهمة”، بل “هل أنجزتها بطريقة تعكس اهتماما حقيقيا بما تخدمه فعلا”.
كلا السؤالين مهم. لا أحدهما يجيب عن الآخر.
أسئلة شائعة
أليس الاهتمام بعملك كافيا لجعله جيدا؟
ليس وحده. الاهتمام ينتج الدافع للتحقق من شيء ما، لكنه لا يحل محل التحقق نفسه. يمكن لشخص أن يهتم ومع ذلك يفوته خطأ كانت ستلتقطه مراجعة ثانية هادئة ومنتبهة.
كيف يختلف هذا عن المقال المنشور “ما هو الإحسان في العمل”؟
ذلك المقال يُعرّف الإحسان بشكل واسع، كجمع بين الإتقان والحكمة والعناية وحسن النية. هذا المقال يعزل تحديدا الفرق بين الفعل الفوري القابل للتحقق، وهو إتقان شيء واحد محدد، والنمط الأبطأ وغير القابل للتحقق المباشر، وهو كون المرء محسنا بشكل عام.
هل يمكن أن تكون دقيقاً في مهمة واحدة دون أن تهتم بعملك بشكل عام؟
نعم، على الأقل بالنسبة لتلك المهمة. الدقة لا تتطلب انتباهاً إلا للشيء المحدد أمامك. يمكن أن تُنجز شيئاً بدقة تامة بينما تكون غير مبالٍ بما حوله، وهذا جزء من سبب وجوب التحقق من الاثنين بشكل منفصل بدل افتراض أنهما مرتبطان.



